اهوال الجحيم

دعونا نسمع القصة من فم صاحبها، حيث يكون وقعها افضل على النفس. فهو قد عاد للحياة ليشهد للاخرين حتى يتوبوا ايضا ولا يأتوا الى موضع العذاب، اي الجحيم.

بدأ كلامه قائلا:

كما تنحني الازهار الصغيرة او الزنابق بسبب صقيع الليل وتضم اكمامها، ثم تستوي على سيقانها وقد تفتحت كلها، حينما تكسوها الشمس بضيائها. هكذا صنعت بعض الخواطر المعزية بشجاعتي الواهنة، لقد سرى في قلبي طمأنينة عجيبة حتى بدوت كانسان تحرر من الخوف. ثم نهضت لاصلي قائلا:

” اشكرك ايتها الرحمة التي عاونتني، اشكرك يا الهي الكريم لانك استجبت سريعا لكلمات الاسترحام التي توسلت بها اليك.”

سمعت صوت الملاك يخاطبني:

اريد ان اريك شيئا اولا.

وانطلق بي الملاك الى مكان مظلم كئيب ، ظهرت فيه بوابة هائلة وسمع صوت خشن مدو، لم يسبق ان سمع صوتا من قبل يدخل الرعب في النفس بهذا المقدار. كان الصوت المرعب يقول:

“لقد خلقتني القدرة الالهية والحكمة الازلية .. لم يخلق من يقدر على الخروج من قبضتي. اني باق الى الابد. ايها الداخلون، اطرحوا عنكم كل امل في الخروج ثانية”.

وهذه الكلمات رأيتها مكتوبة بلون فاحم. في ذروة باب،

” مدينة العذاب .. مدينة الالم الابدي.. مدينة القوم الهالكين.”

فقلت: ملاكي، ان معنى هذه الكلمات قاس على نفسي.

لم انهى كلماتي حتى دوت اصوات بكاء وصراخ وعويل في جو قاتم فأثار ذلك على التو الجزع الى قلبي.

لغات غريبة وصرخات رهيبة وكلمات اسى وصيحات غضب ..احدثت ضجيجا يدور على الدوام كذرات الرمل حين تعصف بها زوبعة.

قلت وقد هالني المنظر: ملاكي ما هذا الذي اسمع؟ ومن هؤلاء القوم؟

اجابني: هذه الصورة البائسة التي تتخذها النفوس التعسة لاولئك الذين عاشوا ولم يسلكوا طريق الخير او الشر، فلم يعصوا الله ولم يطيعوه، ولذلك طردتهم السماء حتى لا ينقصوا من جمالها، ولفظتهم اعماق الجحيم حتى لا يكون لهم فخر على الاثمين. لم يخلفوا لهم ذكرا في العالم، وتزدريهم رحمة الله في السماء وعدالة الله في الجحيم تطلب قصاصهم. ولا تجوز لهم راحة لانهم لم يحفلوا في الدنيا بغير الاكل والنوم، والدائرة التي يدورون فيها اكبر دوائر الجحيم. تلك النفوس المعذبة اصطكت اسنانها وجدفت على الله ولعنت النوع البشري والمكان والزمان واصل وجودها وميلادها. واختلط دمائهم بدموعهم. وتلاصقت كلها وهي تبكي بمرارة عند الهوة الملعونة التي ترتقب كل انسان لا يخاف الله.

بعد ذلك جاء الشيطان بعينين من الجمر يجمعهم كلهم. وكما تتساقط اوراق الخريف واحدة بعد اخرى، كذلك قذف الاشرار من سلالة ادم من هذه الضفة واحدا فواحدا كطير سمع النداء فلباه. لقد بعثت ارض الدموع ريحا عاتية ابرقت ضوءا احمر اللون فسقطت  كمن اغشى عليه.

ولكن الملاك انهضني ..

ترأيت هناك اول انهار الجحيم واكبرها وتتألف مياهه من دموع المعذبين. ورأيت ايضا بعض الطيبين من غير مؤمنين .. وتساءل :

– لم هم هنا ان كانوا ليسوا اشرارا؟

– ليسوا اشرارا وحتى ان كانت لهم فضائل فهي لا تكفي. انهم لم يعبدوا الله كما ينبغي. وعذابهم الوحيد ان يعيشوا في شوق لا يحدوه الامل في الخلاص.

رأيت ايضا رجل وامرأة ملتصقان ببعضهما وبين برهة واخرى يفعلان نفس الشئ، يقبلان بعضهما.

اما المرأة الخجولة الوديعة فقد اصبحت فجأة جريئة شجاعة وتكلمت باسمها واسم عاشقها وافتخرت بما فعلت، حيث قالت:

– لم نرتكب من الاثم في حياتنا سوى هذه القبلة. عندما قرأنا تلك الرواية الغرامية غمرتنا نشوة الحب، وسقط الكتاب من ايدينا، واقترب وجهانا، واختلطت انفاسنا، والتقت شفتانا المرتعشتان في هذه القبلة.

اما الرجل فقد بدى انه لا يفعل شيئا سوى ان يصعد زفرات ولا ادري ايهما اكثر ايلاما: كلام المرأة العذب الاليم ام بكاء الرجل الصامت بغير كلام؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s