قصة شبح

ghost66

ذهبت للسكن في غرفة كبيرة، بحي برودواي، في مبنى قديم ضخم. ظل الطابق العلوي بالمبنى غير مأهول بالسكان لسنوات. ولفترة طويلة استسلم المكان للغبار وخيوط العنكبوت، للعزلة والصمت. في تلك الليلة الأولى التي صعدت إلى غرفتي بدوت وكأني شخص يتلمس طريقه بين القبور ويغير على خصوصية الموتى. للمرة الأولى في حياتي استبدت بي الرهبة لاقصى حد. وحالما وصلت الى الزاوية المظلمة من الدرج حتى تأرجحت شباك العنكبوت – التي لم الحظها بسبب الظلام – في وجهي ونشبث فيّ، ارتجفت في الحال كمن قد قابل شبحا.

عندما وصلت إلى غرفتي وتخلصت من الفوضى والظلام في الخارج، انتعشت الى درجة كبيرة. رأيت ألسنة النار تتراقص مبتهجة في المدفأة، جلست مقابلها شاعرا بالراحة. ولمدة ساعتين جلست هناك، مفكرا في الماضي؛ طافت بمخيلتي مشاهد قديمة، وجوها نصف منسية لاشخاص عرفتهم في الماضي؛ واصغيت لأصوات لم يعد اصحابها احياء منذ زمن طويل ولكني احببتها، واستعادت ذاكرتي أغاني كانت ذات مرة مألوفة ولكن لم يعد أحد يغنيها الآن. تحولت ذكرياتي الى احلام يقظة و خيالات تزداد حزنا وكآبة بالتدريج، وزئير الرياح في الخارج استحال إلى عويل، وصوت هطول قطرات المطر واصطدامها بالمبني تقلصت إلى طقطقة هادئة، بالتدريج هدأت الأصوات في الشارع، حتى وقع الاقدام التي كانت تسرع للاحتماء من المطر اضمحلت ببعد المسافة، ولم تترك وراءها أي صوت.

هدأت النيران في المدفأة. شعور بالوحدة تسلل لي أكثر من السابق. نهضت وخلعت من ملابسي، وخطوت على اطراف أصابع قدمي حول الغرفة، وكأني اختلس ما كان علي القيام به، كما لو كنت محاصرا من قبل أعداء نائمين وايقاظهم من نومهم سيكون امرا بشعا. تمددت في السرير وسحبت الغطاء ، وواصلت الاستماع إلى المطر والرياح وصرير خافت من مصاريع بعيدة، حتى أنها جعلتني استغرق في النوم.

نمت بعمق، ولكن كم المدة التي ظللت فيها نائما؟ لا أعرف. حين استيقظت وجدت نفسي خائفا. السكون يشمل المكان كله فيما عدا قلبي الذي كنت أسمع دقاته. بدأت اشعر ان أغطية السرير تسحب ببطء نحو سفح السرير، كما لو كان احد ما يسحبها! لم احرك ساكنا. كما لم أستطع الكلام. البطانيات سحبت بعيدا عني. ثم مع جهد كبير استطعت اعادتها، وسحبها فوق رأسي. انتظرت، واصخت السمع، وانتظرت. مرة أخرى تكرر الامر. في النهاية استجمعت طاقاتي وارجعت الأغطية إلى مكانها، و بقبضة قوية احكمت وضعها. انتظرت. لكنها سحبت بقوة اكبر. وللمرة الثالثة البطانية سحبت بعيدا.  تململت واصدرت تأوها ينم عن ضجري. وجاء تأوها  من اسفل السرير وكأنه صدى لتأوهي! وقفت وقطرات من العرق على جبيني. كنت ميتا في تلك اللحظة أكثر من كوني حيا. سمعت وقع أقدام ثقيلة في غرفتي – كخطى الفيل، هكذا بدت لي. لم تكن مثل وقع اقدام أي بشري. كان شئ ما يتحرك مقتربا مني، لكن كان هناك شعور بالارتياح في داخلي. سمعته يقترب من الباب –ثم مرق خلاله دون تحريك الترباس أو القفل، وهام ذلك الشئ على وجهه بعيدا بين الطوابق والأروقة والممرات، حتى أنه كان يصدر منها صريرا اثناء مروره بها – ثم ساد صمت مرة أخرى.

عندما هدأت قلت لنفسي: “هذا هو حلم. مجرد حلم بشع” ولذا فإنني استغرقت في التفكير أكثر حتى أقنعت نفسي أنه كان حلما، ثم صعدت ضحكة مريحة على شفتي وأنا سعيد مرة أخرى. نهضت لاخفض الاضاءة. وعندما وجدت أن الأقفال كانت تماما كما كنت قد تركتها، هبطت ابتسامة مريحة آخرى الي قلبي متماشية مع الضحكة التي حركت شفتي. أخذت السيجار وسحبت سحبة، هجر الدم وجنتيّ، وانقطع تنفسي لمدة قصيرة! لاحظت في الرماد على الموقد، بجانب قدميّ كانت توجد اثار اقدام كبيرة بالمقارنة بقدمي ولكنها شكلها يخص طفل رضيع! اذن فقد كان لديّ أحد الزوار، وبالتالي اصبح هذا مفسرا لوقع  اقدام الفيل التي سمعتها من قبل.

اطفأت الاضاءة وعدت إلى الفراش، مشلولا من الخوف. احدقت ببصري الى الظلام، واصخت السمع. فسمعت ضجيجا، يشبه سحب احد ما جسما ثقيلا عبر الارضية. ثم ألقى الجسم بعيدا، واهتزت نافذتي كرد فعل على الارتطام. في أجزاء بعيدة من المبنى سمعت صوت صفع مكتوم للأبواب. سمعت على فترات، خطى كمن يدخل متخفيا زاحفا، اصوات دخول وخروج وتجول بين الممرات وصعود ونزول أعلى وأسفل الدرج. أحيانا اقتربت هذه الضوضاء من بابي، ترددت وذهبت مرة أخرى. سمعت صلصلة السلاسل بصوت ضعيف في الممرات البعيدة، واستمعت حين نمت شخشخة تقترب مني في الوقت الذي ارتفيت بضجر السلالم، من السلسلة التي سقطت مع حشرجة شخص يحتضر معلّمة على كل خطوة مثل عفريت يحملها. سمعت تمتمة باشباه عبارات؛ صرخات-تلفظ نصف بدت مخنوقة بعنف. وحفيف ملابس غير مرئية، واندفاع من أجنحة غير مرئية. ثم أصبحت ادرك أن غرفتي سكنتها اشباح – وأنني لم أكن وحيدا. سمعت تنهيدات وتردد انفاس حول سريري، وهمس غامض. ثم ظهرت ثلاث كرات صغيرة ذات ضوء فسفوري على السقف مباشرة فوق رأسي، توهجت هناك للحظة، ثم سقطت اثنان منهم على وجهي، وواحدة سقطت على الوسادة. كانت متناثرة، مائية، وشعرت بالدفء. اخبرتني حاستي السادسة انهم قد تحولوا الى جلطات من الدم. كنت في حاجة لأي ضوء لأتأكد بنفسي من ذلك. ثم رأيت وجوها شاحبة، مضيئة بشكل خافت، وايدي مرفوعة بيضاء، تهيم في الهواء للحظة ثم تختفي. توقف الهمس، وخفت الأصوات ، وساد سكون مهيب. انتظرت واصخت السمع. شعرت أنني يجب أن يكون لدي مصدر اضاءة أو انني سأموت!. كنت ضعيفا وخائفا. وقد فضّلت في نفسي الجلوس والترقب، تراجعت مثل المنكود الحظ. عندما سمعت حفيف ثياب. على ما يبدو الارواح تمرق الان إلى الباب للخروج.

عندما كان كل شيء ساكنا مرة أخرى، تسللت من الفراش . كنت مريضا واهنا. أشعلت الغاز بيدي المرتجفة كما لو كانت يد شخص عمره مائة عام. جلب الضوء بعض المرح القليل لروحي. جلست واغرقت نفسي في التفكير في اثار الاقدام الكبيرة في الرماد. بدأت الاثار تتقلص وتضمحل. رمقت لهب الغاز الذي ابتدأ يتراقص ببطء مضمحلا. في نفس اللحظة سمعت وقع اقدام الفيل مرة أخرى. على طول الردهة ذات الرائحة العفنة، لاحظت اقترابها، أقرب وأقرب، حتى بلغت بابي وتوقفت – بدأ الضوء يتضاءل إلى ضوء أزرق غث، وجميع الأشياء قربي بدت ملامحها مختلفة في الشفق الطيفي الصادر عن الضوء الازرق. الباب لم يفتح، لكني شعرت بنسمة خفيفة من الهواء تضرب وجنتيّ، واصبحت اشعر بجسم ضخم اثيري غائم ينتصب مقابلي. راقبته بعيون متسعة. توهج باهت انبعث منى هذا الشيء. تدريجيا أخذت طياته شكل غائم: ظهرت الذراعين اولا، ثم الساقين، ثم الجسم، واخيرا بدا وجها ضخما من البخار بملامح حزينة. كما لو كان لنموذج قد غادر ستديو تصوير سينمائي عاريا، مكتنز العضلات ، مهيب. يا للهول! انه كارديف العملاق، وهو فوقي الآن!

كل ما عندي من البؤس اختفى وكأنني طفل لا يشعر بأي ضرر يمكن أن يأتي من كائن ذو ملامح غريبة هكذا. عادت روحي البهجة اليّ، وكنوع من التعاطف من لهب الغاز مع ذاك الكائن بدأ يسطع مرة أخرى. لم اشعر انني وحيدا بهذا القدر من قبل لدرجة تجعلني ارحب برفقة هذا المارد هكذا. قلت له بصوت عال غاضب:

– “لماذا، هل لا يوجد أحد غيرك؟ ولكنك هل تعرف، لقد كنت خائفا حتى الموت على مدار الساعتين أو الثلاثة الأخيرة وأنا سعيد حقا أن أراك. أتمنى لو كان لديّ كرسي. وهنا، هنا، لا تحاول الجلوس في هذا الشيء!

ولكن بعد فوات الأوان. كان فيه قبل أن أتمكن من منعه، سقط بالكرسي. ما رأيت كرسي يتفكك هكذا في حياتي.

– “توقف، توقف، أنك تدمر كل ..”

بعد فوات الأوان مرة أخرى. كان هناك حادث آخر، وتم تفكك كرسي آخر إلى اجزائه الأصلية.

– “هيا بعثر ذلك، ألم يوبخك شخص من قبل؟ هل تريد أن تدمر كل الأثاث في المكان؟ هنا، هنا، ايها الاحمق المتحجر..”

ولكنه لا فائدة. قبل أن أتمكن من القبض عليه كان قد جلس على السرير، الذي تفكك للاسف.

– “الآن كيف تفعلذلك؟ أولا جئت متثاقلا على المكان، جلبت حشد غفير من العفاريت المتشردة معك لتخيفني حتى الموت، بملابس لا يحتملها الناس إلا في مسرح محترم، وحتى لو كان العري هو شيمة جنسك، يجب تسديد ثمن كل الأثاث الذي دمرته في محاولتك العثور على مقعد هنا. ولماذا سوف؟ أنك اضريت نفسك بقدر ما فعلت بي . لقد قطعت نهاية العمود الفقري الخاص بك، وتناثرت اجزاؤك فوق الأرض حتى اصبح المكان يشبه ساحة من الرخام. يجب عليك أن تخجل من نفسك – انت كبير بما يكفي لمعرفة هذا “.

– “حسنا، لن اكسر اثاثا مرة اخرى. لكن ماذا افعل؟ لم تكن لي فرصة للجلوس لمدة قرن من الزمان.” واغرورقت عيناه بالدموع.

– “ايها الشبح المسكين،” قلت له، “كان يجب الا اقسو عليك هكذا. سامحني. انك يتيم، ايضا، لا شك. لكن اجلس هنا على الارض – لا شئ يمكن ان يحتمل وزنك .. وبالاضافة الى ذلك، لا يمكن لاحد من البشر ان يكون اجتماعيا معك اكثر من هذا. اريدك ان تجلس حيث استطيع انا ان اجلس فوق هذه الكرسي العالي واكون بالتالي في مستوى رؤيتك وجها لوجه.

جلس الشبح على الارض، اشعل سيجارا اعطته له، والقيت بطانية حمراء على كتفيه، ومنشفة الحمام فوق رأسه، فبدت كخوذة جندي، واصبح الآن في مقدوري رؤيته. جلس القرفصاء بينما كنت اضيف حطبا للنار في المدفأة .

– “ما المشكلة في قدمك ؟”

– “حرق التجميد.. ولكني ارحتهما في مزرعة نويل. في الحقيقة انا احببت هذا المكان، احببته مثلما يحب اي شخص موطنه. لا اشعر براحة وسلام في اي مكان مثلما اشعر بهما هناك”.

تحدثنا على مدار نصف ساعة، ثم لاحظت انه بدا متعبا، سألته:

– “هل انت متعب؟”

– “حسنا، أعتقد انه يجب ان اكون كذلك، و الآن سوف اقول لك كل شيء عن ذلك، اذ قد عاملتني بشكل جيد، أنا روح ذلك الرجل المتحجر الذي يعرض جثمانه هناك في المتحف في الشارع المقابل، أنا شبح “كارديف العملاق”. لا أستطيع أن اجد راحة او سلام، طالما لم يدفن جسمي مرة أخرى. الآن ما هو الشيء الأكثر طبيعية بالنسبة لي أن أفعله، لجعل الناس يحققون هذه الرغبة؟ اقوم بترويعهم! اسكن المكان الذي يوجد فيه الجسم! لذلك سكنت لعدة ليال في المتحف. حتى أنني حصلت على دعم من أرواح أخرى، ولكن يبدو ان ذلك لم يجدي نفعا، لان لا أحد يأتي إلى المتحف في منتصف الليل، ثم خطر لي أن آتي الى هذا المكان واسكن هنا قليلا، وشعرت أنه إذا نجحت مرة واحدة في اخافة احدهم ولا بد انني سأنجح، سأحقق رغبتي. وليلة بعد ليلة تجولنا في جميع أنحاء هذه القاعات العفنة، سحبنا السلاسل، اصدرنا انينا، واطلقنا همسا، طفنا أعلى وأسفل الدرج، حتى، لأقول لك الحقيقة، اننا مللنا. ولكن عندما رأيت الضوء في غرفتك ليلا استجمعت طاقاتي مرة أخرى واستخدمت حيلي القديمة. ولكني تعبت كلية. من فضلك اعطني بعض الرجاء، ألتمس منك ان تعطيني بعض الأمل! ”

تأججت في موجة من الإثارة، وهتفت متعجبا:

– “هذا يتجاوز كل شيء – كل شيء يمكن ان يكون قد حدث. لم يحدث ه من قبل! لماذا انت ايها الحفري البالغ المتخبط، كان تكبدت كل هذه المتاعب من أجل لا شيء! – لقد سكنت نموذج من الجبس – كارديف العملاق الحقيقي موجود في ألبانيا!

[ملحوظة: عملاق كارديف المعروض في نيويورك هو تكرار عن النموذج الأصلي، الذي عرض في متحف في ألبانيا.]

– “لقد اختلط عليك الامر جدا. اني اتعجب كيف لشبح مثلك لا يعرف رفاته؟ “.

لم أر أبدا مثل هذه النظرة المعبرة عن العار وعن الإذلال الذي يرثى لها، تغطى محيّا من قبل مثلما رأيتها في هذا الشبح.

رفع المارد المتحجر رجلا ببطء على ووضعها على الاخرى، وقال: “بصراحة، هل هذا حقيقي؟”

– “حقيقي مثلما أنا أجلس هنا.”

نحّى انبوب الدخان من فمه، ووضعه على رف، ثم وقف مترددا للحظة ودون وعي، ربما كعادته القديمة حين كان حيا، ادخل يديه في الموضع الذي يفترض ان يكون فيه جيوب السروال وإسقط ذقنه على صدره، وأخيرا تنهد قائلا :

“حسنا – لم اشعر بمثل هذا السخف بحيث ان الجميع قبل رؤية البقايا المتحجرة لرجل آخر، والآن الغش.. يعني قد انتهى، إذا كان هناك أي رغبة في قلبك لعمل خير لشبح بلا أصدقاء مسكين مثلي.! لا تدع هذا الامر يعرفه احد، فكر كيف ستشعر إذا كابدت عناءا كهذا من اجل امر ما ووجدت ام عناءك كان بلا سبب”.

انصرف الشبح. سمعت صوت وقع اقدامه يخف شيئا فشيئا عبر الدرج وصولا إلى الطابق السفلي، حيث خرج الى الشارع الذي خلى من الناس في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، والى الان أشعر بالأسف على هذا الشبح المسكين – واكثر اسفا أنه اخذ بطانيتي الحمراء ومنشفة حوض الاستحمام الخاصة بي.

مارك توين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s