ايليشا العجوز والشبح

كانت سيدته قد ارسلته لتحصيل مبلغا كبيرا من المال، ولكنه اضاعه في طريق عودته فما كان منه الا انه شنق نفسه. وفيما بعد وجده جاره ايليشا وسلمه الى السيدة التي اعتبرته مال شؤم، فقالت له: انه من نصيب من وجده. كاد قلبه يطفر من الفرح لحصوله على مبلغ كبير كهذا .. حين عاد الى بيته كان الليل قد انتصف.. نظر ايليشا العجوز الى زوجته التي كانت تغط في نومها، هز رأسه واطفأ النور، صعد الى فراشه واستلقى على ظهره متطلعا الى الواح السقف الخشبية التي كانت فوق رأسه مباشرة.. واخذ ينصت الى اصوات الحشرات وهي تطير مرتطمة بالجدران، والى غطيط زوجته بجواره وحفيف قدمها تحتك بالاخرى، وجلبة الماشية في حظيرتها بالخارج. وانقضى وقت طويل قبل ان ينام، بزغ خلاله القمر، فأضاءت اشعته الكوخ، واستطاع ان يرى “اكسينيا” نائمة وشيئا لم يستطع ان يتبين ما اذا كان سروال ابنه وقد نسيه او وعاء غسيل وضعته زوجته هناك.. ولعله كان قد بدأ ينعس – اذ ذاك .

والظاهر ان الروح الشريرة التي قادت بوليكي جاره الي الانتحار، والتي كان كل من في منزله قد شعر بوجودها – في تلك الليلة البائسة – قد بسطت اجنحتها عبر القرية الي الكوخ الذي كان يرقد به.. ومهما يكن الامر، فقد احس بوجود الروح الخبيثة فاضطرب، ولم يعد في وسعه ان ينام، ولا ان ينهض. وبعد ان لاحظ الشئ الذي لم يستطع ان يتبينه، تمثل امامه بوليكي و هو مدلى من السقف بعد ان شنق نفسه ويديه اللتين تأرجحتا!

وفجأة خيّل له ان شخصا مر بجوار النافذة، فقال لنفسه: “من عساه يكون؟.. أيكون شخص موفد من قبل شيخ القرية وقد اقبل يحمل مذكرة لامر ما؟”. وسمع زقع اقدام في فسحة الدار ، فتساءل : “كيف فتح الباب؟ .. او لم تضع زوجتي المزلاج؟”. وبدأ الكلب يعوي في فناء الدار، والروح الشريرة – كما  حدس الشيخ فيما بعد – تخطو في الردهة وكأنها تبحث عن الباب. ثم مرت وبدأت تتحسس الجدار، وتعثرت في وعاء فوقع على الارض محدثا صوتا. ثم عادت تتحسس ، وكانها تبحث عن المزلاج الذي يغلق الباب، وامسكت به ورفعته.. وسرت في جسد العجوز قشعريرة. ورفعت الروح الشريرة المزلاج ودخلت متخذة شكل انسان .. وادرك ايليشا انها الروح الشريرة، فحاول ان يرسم الصليب على صدره ، ولكنه لم يقو… وسار الشبح الى المنضدة التي كانت مكسوة بمفرش، فجذبه وألقاه على الارض ، وشرع يصعد الى السرير الذي يرقد هو وزوجته عليه!.. ادرك حينها ان الروح اتخذت شكل بوليكي جاره المنتحر وقد كشر على انيابه وراحت يداه تتأرجحان حوله.. وصعد ، ثم ارتمى على صدر العجوز وبدأ يخنقه!

وقال بوليكي :

ان النقود لي.

فحاول ايليشا ان يقول :

دعني .. لن امسها!

ولكنه لم يقو .. واخذ بوليكي يثقل عليه وكأنه جبل يكاد يسحقه..

كان ايليشا يعرف انه لو يتلو صلواته لانصرفت الروح بعيدا عنه ، ولكنه لم يستطع ان ينطق بكلمة..

وصدر عن حفيده الذي كان يرقد بجواره صرخة عالية وشرع يبكي، فقد دفعه جده الى الحائط وراح يضغطه فيه. وفكت صرخة الطفل عقدة لسان الشيخ، فانطلق يقول : “ليقم الله..”، فبدأ ثقل الشبح يخف.. ” وليتبدد من امام وجهه كل مبغضي اسمه القدوس” وهبط الشبح عن السرير، واستطاع ان يسمع صوت ارتطام قدميه بالارض، فمضى يردد تباعا كل ما كان يعرفه من صلوات.. وسار الشبح الى الباب وصفق الباب خلفه، فهز الكون بأسره. ومع ذلك فقد ظل الجميع نياما ، عدا الجد والحفيد. فقد كان الجد يتمتم بالصلوات وهو يرتجف، بينما كان الحفيد يرهق نفسه بالبكاء والنوم يغالبه.

وعاد الهدوء يسيطر على الكوخ، فظل الشيخ راقدا في مكانه. وصاح ديك من خلف الحدار.. وسمع نقنقة الدجاج، وصوت ديك صغير يحاول ان يجاري الديك الكبير في صياحه، دون ان يوفق. وتحرك شئ على ساق الشيخ.. واذا به قطة ما لبثت ان قفزت الى الارض دون ان تحدث صوتا. وراحت تموء بجوار الباب تريد الخروج. ونهض الشيخ ففتح النافذة ، ورسم الصليب على صدره، ثم خرج حافيا الى فناء الدار، حيث كانت الخيل. وكان من السهل ان يتبين المرء ان الشبح قد مر بالمكان، فان الفرس التي وضعت من عهد قريب، كانت تقف الى جوار وعاء به علف، وقد التف الحبل الذي ربطت به حول ساقها، وراحت تنتظر ان يأتي صاحبها ويخلصها.. اما رضيعها ، فقد تعثر وسقط على كوم من الروث. فأنهضه الشيخ واقامه على اقدامه. وخلص الفرسة وقدم لها علفا ثم عاد الى الكوخ.

واستيقظت العجوز ، فقال لها : “ايقظي الولدين، فاني ذاهب الى المدينة !”. ثم تناول شمعة رفيعة فأشعلها وهبط بها الى المخزن. وعندما صعد ثانية كان النهار قد انبلج اذ استيقظ الشباب متأهبين للذهاب الى العمل واخذت النساء يرحن ويجيئن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s