مدرسة الاشباح #1

مقدمة:

لا يبدو غريبا عن الصين التي ظلت لقرون عديدة بعيدة ومنعزلة عن بقية العالم ان ينشأ بها معتقدات عن الارواح مختلفة عن باقي بلاد العالم. الاشباح في الصين ليست تلك الارواح التي نعرفها والتي تظهر باشكال مخيفة وعادة تظهر بنفس مظهر المتوفى ، بنفس وجهه، وترتدي احيانا الاكفان التي دفنت فيها بالقبر، احيانا تظهر بدون رؤوسها، ولها اصوات مرعبة.

لكن الاشباح الصينية عامة – اذ انه يوجد استثناءات – ليست هكذا. انها عادة ما تكون مميزة عن الاحياء. انها كثيرا ما تكون فتيات جميلات اللاتي يرجعن من العالم الاخر ، لا لادخال الفزع في قلب الانسان ، بل ليداعبنه، او يغظنه، او يسقطن في الحب معه، او ليساعدنه في تحمل الاعباء والامتحانات الصعبة التي يجب عليه ان يجتازها قبل ان يصل الى اية مكانة رفيعة في هذا البلد الكبير.

الاشباح في الصين ليست اطيافا روحية مثلما هو شائع في الغرب. انها من اللحم والدم، وهي كثيرا ما تكون ايضا حيوانات، على الاخص الثعالب، اذ ان الصينيون يعتقدون ان كل المخلوقات لها ارواح.

***

سمع يانج شين عن منزل كبير وفخم ولكنه للاسف مسكون بالارواح، كان هذا المنزل يمتلكه في السابق مسؤول كبير، ولكنه الان اصبح فارغا ومهجورا. قرر يانج ان يطلب من المالك ان يسمح له ان يعيش هناك في مقابل العناية بالمنزل، كان المنزل يشبه تماما المنزل الذي تمنى يانج ان يمتلك يوما مثله. تقابل يانج مع ذلك المالك وقدم له عرضه. في البداية لم يقبل عرضه وقال له:

– “ايها الشاب، “لا احد استطاع ان يعيش هناك ليوم واحد. الاشباح التي سكنته من النوع الذي يسبب الازعاج لاي شخص يسكن فيه”.

– “لقد اعددت نفسي لهذه المخاطرة. انها مأساة كبيرة ان يترك هذا المنزل الفخم للاشباح والتي لا تهتم حتى لو تداعى وتحول الى خراب. ثق انني سوف اعتن به”.

هز الرجل العجوز كتفيه لاعلى وقال:

– “على العموم ليس لديّ ما اخسره ايها الشاب. لقد حذرتك، وانا لا ازال اراك مصمما ، يمكنك ان تتسلم المفتاح. لكن عند اول بادرة للمشاكل عليك ان تغادر المنزل. والا لن اكون مسؤولا عما يحدث لك”.

كان يانج قويا عنيدا لا يخشى شيئا، وفي الحال نقل كل امتعته الى المنزل الجديد. احتاج ان يتنقل بين منزله القديم والجديد ذهابا وايابا مرات كثيرة، اذ انه لم يكن معه من المال ما يدفعه لاستئجار عربة لنقل امتعته، وكانت شمس الاصيل ترسل اشعتها البرتقالية حين حمل لمنزله الجديد اخر امتعته.

كانت الكتب هي اثمن مقتنيات يانج، لذا فقد وضعها بعناية شديدة فوق طاولة، قرر انها ستكون مكتبا لدراسته، لكن عندما عاد ليضع فوقها اخر كتبه لم يجد اي منها هناك. بحث عنها كثيرا لكن لم يبدو ان لها اثرا في المنزل. عندما عاد الى الغرفة حيث ترك الكتب المفقودة، وجدها  ثانية على المكتب. كان يانج مندهشا لكنه على اية حال فرح بعودة اثمن مقتنياته، ذهب الى المطبخ ليطهو بعض الارز من اجل العشاء، لكن عندما عاد الى الغرفة حيث من المفترض ان يقرأ لبعض الوقت قبل النوم، وجد ان كتبه اختفت مرة ثانية.

بعد لحظات سمع صوت خفيف لوقع اقدام و ابصر فتاتين تحملان كتبه. كانتا تضحكان فيما هما تضعان الكتب ثانية على الطاولة.

استدارت الفتاتان وحدقتا في يانج، كانتا تظهران في ضوء الغسق الباهت بمظهر بشري، وبالكاد يصدق اي امرئ انهما شبحان، لكن عارفا انهما كذلك، لذا فقد ادار وجهه ولم يعرهما اهتماما. في حين انهما اقتربتا منه ولم تتوقفا عن الضحك.

كان قلب يانج يدق من الخوف حين تذكر تحذيرات مالك المنزل له. و على سبيل الدعابة احدى الفتاتان كانت تنخسه باصابعها، وكانت الاخرى تلطمه على خده لطمات، ومن ثم بدأتا في مضايقته ولم تتوقفا عن الضحك لكي يلتفت اليهما.

الان يانج بدأ في مراجعة اعتقاده بوجود الارواح ، ولولا انه رآهما بحدقة عينيه وهما تسيران مخترقتان الباب لم صدق انهما شبحان. ومع ذلك فقد بدا انهما غير مؤذيان وكأنهما طفلتان ولذا فقد بدأ يعاملهما على هذا الاساس.

صاح فيهما جاعلا نبرة صوته يبدو فيها ضجره الشديد على قدر الامكان:

– “اغربا عن وجهي، ايها الشبحان الغبيان! لماذا تريدان ازعاجي؟”، رغم ذلك، لم يتوقع ان يخافا ويبتعدا سريعا هكذا.

عادت اليه ثقته، اشعل فتيلا، وبدأ يقرأ ، لكن طوال الوقت كان شاعرا بوجودهما في الغرفة ومدركا من الظلال المتحركة في الركن المظلم. حاول ان يقصر تركيزه في الكتاب، لكنه لم يستطع ان يتجاهل تماما ذلكما الشبحان اللذان يقبعان في هدوء الان. لم يمض طويلا حتى استسلم وكف عن القراءة واستعد للنوم.

كان متعبا جدا بعد يوم طويل من العمل، لكن بمجرد ان اغلق عينيه اضطرب على اثر دغدغة في انفه. كان يهش مرات كثيرة ذلك الشئ الذي يدغدغه، لكنه كان دائما يعود.اخيرا عطس وبعدها سمع اصوات ضحكات مكتومة. نهض واشعل شمعة ، ثم رجع ثانية الى الفراش واغلق عينيه محاولا الانصات.

فتح يانج عينيه حين سمع صوتا واهنا. واحدة من الفتاتين كانت اتية الي يانج ومعها في يدها ريشة . ففي الحال قفز من السرير وصرخ فيها ففرت من امامه.. اخيرا بعد فترة طويلة قرر ان ينام ولكن هذه المرة استيقظ بشعورة بدغدغة في اذنه. وهكذا قضى الليل ساهرا . لم يستطع ان يحظى بأي قسط من النوم بسبب الجنّيتّان الصغيرتان حتى صاح الديك. ومن ثم ساد السكون واستغرق في النوم عميق، ولم يستيقظ حتى الظهر.

باقي اليوم كان هادئا وطبيعيا، و قام يانج ببعض النظافة وترتيب بعض الاثاث بحسب ذوقه. ثم ركن الى استذكار دروسه ، مدركا ان ربما يبتلى ثانية بهما، وما ان حول عيناه عن الكتاب حتى لمح زائرتيه الجميلتين يراقبانه . تجاهلهما واستمر في القراءة . ثم فجأة وقفت احداهما بقربه واغلقت الكتاب الذي بيده.

وثب يانج في غضب وصاح:

– “هل لا استطيع ان اجد راحة في هذا المنزل؟ لدي عمل مهم اعمله ، لذا فرجاءا ا ابتعدا عني.”

ابتعدتا الجنيتان، ولكن بمجرد ان عاد الى كتابه عادتا الى مضايقته. ظل يانج فاتحا كتابه مصمما على استكمال مطالعته، لكن احداهما جاءت من خلفه ووضعت يديها الباردة على عينيه. ومرة اخرى وثب يانج في غضب، بينما الجنيتان تضحكان عليه. ولذا فقد قرر امرا مختلفا. قال لهما بطريقة متوددة:

– “يجب علي ان اعمل واذاكر لكي اجتاز امتحاناتي، لماذا لا تكونا فتاتين طيبتين وتتركاني في سلام؟ اذهبا واعملا شيئا نافعا”.

هذا الاسلوب الجديد فاجأهما فتوقفتا عن الضحك ونظرتا اليه بطريقة متأملة. احدى الجنيتان همست في اذن الاخرى ومن ثم ابتسمتا معا ابتسامة حلوة وغادرتا الغرفة بعد ذلك. واستطاع يانج ان يسمع اصوات نشاط ما يقومان به في المطبخ، لكنه لم يعر للامر بالا، فقد وفق اخيرا في ان ينعم ببعض السلام.

بعد نصف ساعة تقريبا جاءت الجنيتان وبدأتا في وضع بعض اطباق الطعام التي اعددنها على طاولة الطعام. كانت الاطباق تبدو جمعيا حسنة المذاق، و رغم ان يانج كان جائعا الا انه كانت لديه بعض المخاوف في ان يأكل طعاما اعددته جنيّات. ربما وضعن به سما! لذا شكرهما واثنى على مجهوداتهما، وقال:

– “انا لست جائعا”، ورجع الى كتبه.

طلبت اليه الجنيّة الاكبر عمرا :

– “لو لم تأكل منه فانت لا تثق بنا، وكيف يمكننا ان نسلك سلوكا حسنا ان لم تثق بنا”.

تطلع اليها يانج في دهشة ، اذ انها تحدثت في صوت حلو دغدغ مشاعره. ووجد نفسه مجبرا ان يرد عليها قائلا:

– “بالطبع انا اثق بكما،”

قالت الجنيّة:

– “بما انك تثق بنا ، فيجب ان تأكل هذا الطعام الذي تعبنا في اعداده”.

فكر يانج انه اذا رفض ستستمر مضايقتهما له، وسيكون امرا عسيرا ان يبقى في المنزل. لذا فقد غرف من صحن الارز، تذوق بعضه، شعر انه ليس به اي اثر ضار، ومن ثم عبر عن روعة مذاقه وحسن طهيه، شعرت الجنيّتان بالفرحة والرضا.

بعد ان انهي وجبته ، جلسوا معا وتحدثوا. لكنهم لم يقولوا الا القليل عن نفسيهما. عرف يانج ان اسم الكبرى شينج ين والاصغر شاي لو ، لكنهما لم يخبراه بأي شئ عن عائلتهما، قالت له الجنيتان انه بما انهما جنيتان فلن يكون تفكيره بهما يصل الى الزواج فلماذا يكون فضولي؟

اجابهما يانج:

– “بما انني لم اكن اتصور ان التقي بجنيتان ساحرتان مثلكما حين اتيت هنا، فمن الطبيعي ان اكون فضولي، وخصوصا اننا سنحيا معا في هذا المنزلٍ”

– “لحسن حظك، الارواح الاخرى التي سكنت هذا المنزل هبطت الى العام السفلي بعد الحكم عليها، بينما نحن ننتظر مصيرنا وبما سيحكم به علينا. لكن لو اردت ان تبقى هنا، فسوف نظل نخدمك.”

لذا كان يانج قادرا ان يبقى ويعمل، وكانتا الفتاتان- اذ انه لم يعد يفكر بهما على انهما جنيّات- تحضران كل مساء عقب غروب الشمس وتنظفان وتطهوان الطعام له، حتى يتفرغ لعمله، ولم يعودا يضايقانه ، وعاش يانج سعيدا.

ذات يوم اضطر يانج ان يخرج ولم يرجع الا بعد غروب الشمس. عندما عاد وجد الفتاة الصغرى، شاي لو، جالسة الى مكتبه مستغرقة في نسخ الكتاب الذي كان يطالعه. ارته ما كانت تفعله فاثني عليها قائلا:

– “لكن يوجد امامك فرصة ان تكوني افضل،” هكذا اخبرها بابتسامة، واردف: “لو اردت، سأعلمك الكتابة”.

سرت شاي لو بذلك الاقتراح، لذا فقد اجلسها يانج على ركبته، وامسك بيدها واراها كيف تمسك القلم بطريقة صحيحة. وفي تلك اللحظة دخلت شنج ين ، وعند رؤيتهما هكذا ، احمرت وجنتاها اذ شعرت بغيرة من اختها.

عند رؤية يانج ذلك، انزل يانج من على ركبته شاي لو، ومن ثم اجلس شنج ين بدلا منها، قائلا:

– “دعيني اعلمك كيف تمسكين القلم، يا عزيزتي”، وبابتسامة على ثغرها راحت الفتاة تكتب بينما يمسك يانج بمعصمها.

شعر يانج ان كلا الفتاتين يحبان التعلم، لذا فقد اعطى كلا منهما قطعة من الورق وطلب اليهما ان ينسخا فقرة من احد الكتب، وبينما هما منهمكتان في فرضهما الدراسي كان لديه فرصة لاكمال مطالعاته. وعندما انتهيا، احضرا ما كتباه واعطاهما يانج درجات. حصلت الصغرى على درجات اعلى . لذا فقد اضطر يانج ان يشجع شنج ين بكلمات تحفيزية، وقال لها ان هي عملت بجد ستتحسن بسرعة.

وبالتالي اصبح يانج مدرسا للجنّيتان، وعندما تحسنت كتابتهما علمهما يانج كيف يقرآ. لقد كانتا طالبتان مجتهدتان وعندما يحفظا شيئا لا ينسياه مطلقا.

اصبح يانج مدرسا للجنّيتان، وعندما تحسنت كتابتهما علمهما يانج كيف يقرآ. لقد كانتا طالبتان مجتهدتان وعندما يحفظا شيئا لا ينسياه مطلقا.

ذات مساء احضرت شنج ين اخاها الصغير، سونج، وهو فتى وسيم ، ولكنه ايضا، مثل اخته الجميلة، كان جنيّا، رحل عن العالم في عمر صغير، تقريبا ستة عشر عاما. هل يمكن ان يصبح سونج تلميذا ليانج ايضا؟! وافق يانج، واثبت سونج انه ولد ذكي جدا. في زمن ليس بالطويل استطاع ان يقرأ قطعا ادبية من الكلاسيكيات ويكتب القصائد.

كان يانج مسرورا بنجاح مدرسة الاشباح التي رعاها. الدروس جعلت من هذه الارواح المشاغبة منشغلة ومنصرفة عن مضايقته ، وواصل يانج دراسته وعمله واستطاع كسب بعض المال من كتابة المقالات النقدية الساخرة على الاحداث الجارية في احدى المجلات، والتي اصبحت مشهورة، وان ظلت غير شعبية.

اخيرا، جاء اليوم عندما اضطر يانج لمغادرة المدينة لاداء الامتحانات، ودع طلبته من الاشباح. كان ممتنا حينما قوبل هذا الخبر باسى. بكت الجنيّات و كان سونج شاعرا بالشؤم وبأن احداثا سيئة وشيكة الحدوث، ولذا طلب من يانج الا يغادر قائلا:

– “لو غادرت، فان كوارث مخيفة ستقع عليك”.

One response to “مدرسة الاشباح #1

  1. تعقيب: Meant to Be | افضل مقاطع فيديو

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s