رسالة من ملاك الموت

21767942_478368669216135_181514673055822727_n

عندما افقت من غيبوبتي هذه المرة كنت اشعر انها ستكون المرة الاخيرة. التي افيق فيها من هذه الغيبوبة التي تأخذني بين الحين والاخر. صحيح ان ايام المرض لم تكن طويلة. ولكنه شعور داخلي سيطر على رأسي فجأة، ولم يعد يفارقني، واصبحت نتيجة هذا الشعور اخشى ان ادخل في تلك الغيبوبة مرة اخرى حتى لا يأخذني الى الموت.

ان جسدي قد سأم وخز الابر، وشفتاي تململتا من طعام الدواء المر. ولكن برغم كل هذا كان لي امل كبير في الشفاء، ولكن فكرة الموت اصبحت شاخصة امامي تأبى ان تفارقني، وقد دفعتني الى شريط ط

ويلي من الذكريات. حياتي كلها مرت امامي في دقائق.

وما هي الا لحظات قصيرة حتى تغير كل شئ.. فقد فاجأني الموت الذي لم اكن اتوقع مجيئه بتلك السرعة العجيبة.. لم اكن قد ادركت بعد انني ميت..

كانت لحظة ممتعة واحساس لا يوصف حين وجدت نفسي اطير محلقا في فضاء الغرفة. قدماي لا تلمسان الارض. ولا اخضع لقانون الجاذبية الارضية. ولكني لا ادري كيف يمكنني ان انظر الى هذا المشهد الحزين: انه جسدي. نعم! هذه الكتلة اللحمية المسجاة بلا حراك. هي انا. هذه ملامح وجهي. اعرفها جيدا. وهذا سريري. هذه التي تبكي هي امي. وهؤلاء الواجمون الحزانى لفراقي هم اخوتي. انها حجرتي ولا شك. انهم اسرتي بلا ريب. كيف استطيع ان احلق هكذا في فضاء الغرفة وجسدى ما زال على الفراش؟ هل اصبحت امتلك جسدين؟

وبدأت ادرك انني لا اقوى على الكلام … وانه حتى ان تكلمت لن يصل صوتي الى اولئك الملتفين حول جسدي المسجى. وادركت كذلك انني لا استطيع ان اعود الى هذا الجسد مرة اخرى. يغمرني شعور باني كسرت قيود ثقيلة. وتحررت منها. وبدأت الان ادرك جيدا انني ميت. لقد انتهت حياتي بالفعل. ادرك انني لا امتلك جسدين بل انا روح تحررت من اثقال الجسد، ومن كل ما يربطها بالارض من هموم والام و..

واشعر انني سعيد لهذا التحرر الفجائي. لا يعكر سعادتي نحيب امي ولا بكاء الاخرين حولي.. لكنني لا ادري الى اين انا منطلق؟

ما هو المصير الذي ينتظرني؟

لا اعرف طريقا اخطو فيه اولى خطواتي في عالمي الجديد. كما لم يأتي من يقودني..

ياااه .. شكرا يا رب! فلم يدم تفكيري وحيرتي طويلا فقد جاء من يقودني. يا لروعة الملاك القادم! ويا لبهاء غلالة النور التي يتسربل بها! .. ها قد اصبحت النتيجة واضحة. يستحيل ان يكون هذا الملاك النوراني قد جاء ليقودني الى الجحيم او يلقي بي في الهاوية. مؤكد انني ذاهب معه الى الفردوس!!

-2-

كانت ابتسامة الملاك النورانية تزيدني اطمئنانا، وتزيدني يقينا بالنهاية السعيدة. ولم اعبأ بتلك الدهاليز الطويلة المظلمة التي سرنا فيها – انا وملاك الموت.

وما ان انتهت اخيرا، حتى لاح لعينيّ الاثيريتان فراغ شاسع. وكأننا في صحراء لا نهاية لها. لم تكن مظلمة تماما، بل مائلة للاظلام، تماما كلحظات الغروب على ارض الانام التي تركتها منذ لحظات. وعلى مرمى البصر كانت هناك نقطتان مضيئتان بعيدتان جدا. احداهما على اليمين والاخرى على اليسار، وكالن يبدو من بعد ان المسافة بينهما طويلة جدا. وهممت ان اسأله عن تلك النقطتين ولكنني اثرت ان اظل صامتا، برغم انني كنت اشعر برغبة ملحّة في الكلام. وكأن الملاك يقرأ ما يعتلج في عقلي. رأيته بدأ في التحدث بصوت هادئ .. كانت الكلمات تنساب من بين شفتيه كأنه الموسيقى العذبة التي تشنف الاذان وتشتاق لسماعها الاف المرات.

سألني في ايجاز شديد:

– خائف؟

فارتبكت ولم انبث ببنت شفة. واكتفيت بأن ارسم على شفتاي ابتسامة باهتة. فاشار باصبعه الى احدى النقطتين البعيدتين، وقال:

– انه الفردوس.

انفرجت اساريري، ثم اشار الى النقطة الاخرى قائلا:

– وهذا..

ثم صمت برهة واعقب..

– هنا الجحيم..

فانقبض قلبي ثم نظر اليّ نظرة تحمل معان كثيرة ورهيبة لم افهم منها شيئا ، وقال:

– هنا النور، وهنا النار.. كلتاهما مضيئتان ولكن شتان بين ضوؤ وضوء.. امامنا مشوار طويل حتى نصل.

فسألته:

وانا .. الى اي النقطتين ستنتهي رحلتي؟

وتبددت ابتسامته وقال في صوت خافت حزين:

– النقطة اليسرى..

وكان من السهل علىّ ان اتذكر جيدا انه عندما اشار باصبعه الى تلك النقطة قال .. وهنا الجحيم. سرت في جسدي الاثيري عندها رعدة لا توصف وهممت بن اصرخ فبادرني:

– لا تسأل لماذا.

فقلت في يأس وكأنني في حلم مزعج:

– أليس من حقي ان اسأل؟

فاجاب بسرعة:

بلى، من حقك ان تسأل. ولكن الاسئلة لن تجدي، فالمصير محتوم، واسمك محذوف من سفر الحياة. اسأل كما شئت، ولكن النهاية لن تتغير. فقد انتهت حياتك على الارض. وانتهت فرصة تغيير النهايات.

فطفرت من عيني دمعة باردة متحجرة وقلت بصوت مخنوق:

– ولكني اريد ان افهم.

– ماذا تريد ان تفهم؟ اسأل وسأجيبك.. فكما قلت لك امامنا مشوار طويل حتى نصل، ولكن بنهاية مشوارنا ستنتهي ايضا فرصتك في الاسئلة.

فقلت بسرعة:

– اريد ان اسأل .. لماذا الجحيم؟

فسألني بدوره:

– ولماذا الفردوس؟

فاجبته:

– الاسباب كثيرة- نعم، لقد كنت خاطئا، ولكنني تبت. وانا اعلم ان الله يقبل التوبة.

– اواثق انك قدمت توبة صادقة؟

– بالطبع متأكد من ذلك. لقد اقلعت عن كل الخطايا التي كنت ارتكبها، وتحولت الى انسان اخر.. لقد كنت شماسا .. وخادما ايضا.. لقد تركت الشهوات التي تحاربني. كنت متواضعا.. كنت اصلي جميع الصلوات ، كنت اعطي الفقراء.. كان قلبي ينبض بالحب للجميع. فهل كل هذه الفضائل لا تؤهلني للدخول الى الفردوس؟ وماذا يفعل من هم في الفردوس اكثر مما فعلته انا؟

– هذه هي المشكلة الحقيقية. ان كل من يمارس هذه الممارسات يظن انه يرث ملكوت السموات. ولكن المقياس الارضي ينقصه ان يعرف جيدا ان مقياس الملكوت هو: كيف كانت تلك الاعمال؟ كيف كنت تصلي؟ كيف كنت تصوم؟ كيف كنت تقرأ؟…؟…؟…

– لا افهم شيئا.

– كل فضيلة من فضائلك كان ينقصها شيئا او اشياء . وسأوضح لك. ساحدثك عن الخطايا التي لم تشعر بها والتي تسللت الى حياتك والى فضائلك دون ان تشعر بها ودون ان تدري. انها الخطايا المستترة التي صلى من اجلها داود النبي قائلا “من الخطايا المستترة يا رب ابرئني”(مز19: 12).

سأحدثك عن خطية الكبرياء يا من تظن انك كنت متواضعا.. سأظهر لك الشوائب التي علقت بصلاتك وصومك وقراءاتك.. وسأبين لك ما كان ينقص عطاؤك ومحبتك للاخرين.

كنت مشدوها من حديثه فاجبت:

– هيا اخبرني ايها الملاك.

تنهد تنهيدة طويلة تجلت فيها كل معانى الاسى الشديد ورمقني بنظرة مفعمة بالاشفاق، وسألني:

– من اين ابدأ؟

– ابدأ من حيث تشاء. فالنتيجة واحدة.. لا امل في النجاة ، ولكني فقط اريد ان افهم.

– كنت تظن ان الشهوات هي مجرد الزنا، او النظرات الشريرة.. لم تكن تدرك ان الشهوات هي ايضا حب التملك، وحب الرياسة والسلطة.. اندفعت في هذا النوع من الحب دون ان تشعر، والذي بدوره ادخلك في سلسلة معقدة متشابكة من الخطايا.. منها البغضة وحب الانتقام والحسد والغيرة.. كان الشيطان يزين لك كل هذا ويعطيه اسماءا مستعارة .. مثل الطموح والسعي للافضل، والمنافسة في العمل..

قلت محاولا الدفاع:

– لم اكن احتمل ظلم الاشرار. من المستحيل ان يجد الانسان ظلما وعدوانا واقعا عليه ولا يحاول ان يدفعه ويصده.

– واين تنفيذ الوصية القائلة “لا تجازوا احدا عن شر بشر ولا عن شتيمة بشتيمة.. حسب طاقتكم سالموا جميع الناس”(رو12: 17 و 18).

– كان الظلم يعمي عيني، ويقودني الى الغضب وكيف وانا في تلك الحالة اجد الفرصة متاحة امام عيني لرد جزء من اعتباري واقف موقف المتفرجين؟

– “لا تنتقموا لانفسكم ايها الاحباء ، بل اعطوا مكانا للغضب، لانه لي النقمة انا اجازي يفول الرب”(رو12: 19).

– لم انتقم لنفسي. كل ما كنت افعله هو ان .. وتوقفت الكلمات في حلقي ولم استطع ان اقدم المزيد من التبريرات..

.. يتبع

علاء وجيه

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s