نافذة نحو الغروب

paradise-sunset-tv

من الاوقات المحببة لي ساعة الصباح، حينما افتح جهاز الحاسوب الخاص بي لاقرا رسائل البريد واحدة تلو الاخرى. احد رسائل البريد التي تاثرت بها كثيرة كانت رسالة لسيدة في منتصف العقد الخامس من عمرها. كتبت تقول انها طريحة الفراش منذ شهور وان زوجها وابنيها يسهرون عليها ويكتمون عنها انباء مرضها الخطير وتستطرد المريضة المسكينة تقول:

“سيدي انني لا املك الشجاعة الكافية وفكر الموت يرعبني”.

وتختم قائلة:

“؟انك تكتب بقلب رقيق عن مشاكل الحياة. فهل لديك شعاعة من النور تضئ طريقي المدلهم”.

اقرأ المزيد

طيلة اليوم دار تفكيري حول هذه الرسالة وحول كيفية الرد على هذه المريضة لتعزيتها في ايامها الاخيرة. واخيرا تذكرت مقالا كان احد الصحفيين كتبه في ايامه الاخيرة بعنوان “قبيل الغروب”. وكان يتحدث بشجاعة وايمان بل اقول بفرح وسعادة عن من يلقبونه بملك الاهوال. كتب يقول:

“ترى لماذا نخاف من الموت؟ لماذا لا نجابهه بشجاعة؟ ترى ماذا حدث للبشر؟ هل هم كما قال سقراط قديما – قد التقوا بالعدم ام انتقلوا الى عالم جديد؟. اننا نلحظ في الاونة الاخيرة اهتمام الناس الكبير بهذا الموضوع. لقد اعيد طباعة كتابا عنوانه “انجيل ما بعد الحياة” ثماني وعشرين مرة. والمستمعون الى اجهزة الراديو كانوا ينتظرون بلهفة سلسلة الاحاديث الاذاعية التي يتحدث فيها راع الكنيسة عن القيامة. ومن مدة بعيدة قدمت احدى الجرائد للقراء موضوعا كان له الاثر البالغ عنوانه “اين تذهب ارواح الموتى؟”.

كنت اتحدث منذ فترة مع انسان قارب الموت ولكن الحياة عادت اليه بعد ان يئس من حالته الاطباء. سالته ماذا كان احساسه في تلك اللحظات واجابني: طلقد تيقنت بالفعل ان النهاية تقترب مني، ولكن لم اشعر بالجزع او الخوف. كل ما احسست به هو نوع من الشعور الغريب دفعني ان اترقب ما عساه يحدث لي – لقد شعرت انني اعبر قنطرة الى عالم اخر. وكان كل همي ان اعرف ماذا يحتويه العالم الاخر؟”.

ويروي الدكتور جويت اختبارا مماثلا حدث له فقال “ان شعوري في ذلك الحين لم يعتريه اي اضطراب. بل على النقيض كنت مسرورا”. وهذا هو عين احساس الكثيرين من المؤمنين وقت انتقالهم. اني اذكر شابا احضروه الى المستشفى وكانت حالته خطيرة، قبيل انتقاله بساعة واحدة ضغط زر الجرس ليستدعي الممرضة. وهمس لها بانفاس لاهثة “ان المكان مظلم”. ولما اجابته بان الوقت ساعة الظهيرة. اجاب “ولكني لا ارى شيئا. ارجوك ان تنيري المصباح”. وادارت الممرضة مفتاح النور ولكنه ظل يشكو من الظلام القاتم. وظلت الممرضة بجواره والدقائق تمر بطيئة مملة الى ان جاءت اللحظات الفاصلة حينما اشرق وجه المحتضر بنور سماوي وبانفاس لاهثة هتف في سرور “اني استطيع ان ارى الان، انه عجيب.. جميل .. رائع..”. هل كان هذا خيالا داعب مقلتيه في لحظاته الاخيرة؟ لا اعتقد ذلك، بل اني اوقن ان لمحة من لمحات العالم الاخر قد اشرقت امام عينيه وهو يعبر وادي ظل الموت. وتتذكرت الاية القائلة “ويحدث انه في وقت المساء يكون نور”.

اذكر انني خرجت في نزهة مع صديق. وحينما عدت كنت مجهدا للغاية اجر قدماي جرا. ولضيقي رايت ان بيت ذلك الصديق يقع على ربوة عالية، وان علينا ان نرتقي مدارج تلك الربوة حتى نصل الى المنزل. وابتدانا نصعد قليلا قليلا.. وحينما وصلنا الى القمة قلت لصديق “لقد خيل لي ان المرتقى عسير” فقال صديقي بابتسامة “ان الطريق هين ولو ان المرتقى يبدو وعرا”. وهكذا بالتمام في موضوع الموت. حينما نقترب للنهاية نكتشف لدهشتنا وفرحنا ان مللك الاهوال لم يعد له سلطان علينا نحن المؤمنين.

اننا بعد الموت لا نستمر احياء فحسب بل نحيا بشخصياتنا. ان الاية تقول “انا هو اله ابراهيم واله اسحق واله يعقوب”، مع انه كان قد طواهم الموت منذ مئات الاعوام. اما البوذية فانها تعلم بغير ذلك، انها تعلم بان الانسان بعد الموت يفنى كيانه وتذوب ذاته في الكائن الاعلى، كما تفنى الموجة في البحر الخضم. فان كان الامر كذلك “فلناكل ونشرب لاننا غدا نموت”.

ذهبت مرة لازور شخصا فقد عقله. وكان المنظر اكثر مما يحتمله احد. فالمسكين لم يعرف اقاربه بل لم يعرف نفسه. لقد كن يوما انسانا له كيان ام الان فماذا تبقى منه؟ لا شئ على الاطلاق. قلت في نفسي حينها “يا لها من حياة! هل تراني قلت حياة؟ انها ليست حياة على الاطلاق، كما انها ليست وجودا.

قال سقراط لتلاميذه وهو على وشك ان يتجرع كاس السم “ان نلتقي باورفيوس  وماسيوس؟ ان نرى هيسيود وهوميروس! كم يدفع الواحد منكم لينال تلك الحظوة؟ اني على استعداد ان اقاسي بكل سرور مئة ميتة لانال هذا المجد”. ولكننا نعلم اننا سوف نلتقي بابطال الايمان والقديسين.. وفوق الكل حبيبنا الرب يسوع. وهناك يهرب الحزن المرير ويجبر القلب الكسير .. لا حزن لا دموع لا انين.. حبنما بشرق في قلب الظلام ذلك القلب الرقيق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s