رسالة من جهنم

عن كتاب: نساء ورجال – القس لبيب مشرقي
الى الجهلاء امثالي الذين يقيمون على سطح الارض
لا اعلم لماذا ارسل لكم هذه الرسالة، انني احقق لكم انني شخصيا لا اهتم بكم، لا يعنيني ان كنتم تسعدون او تشقون، ولكنؤ ارسلها لعلي انفس عن نقسي قليلا. لا يعنيكم اسمي او عائلتي، ومع ذلك فساذكر بين ما اذكر ما قد يشير الى شخصي من بعيد او قريب!!
بالطبع لا اعرف شيئا عن ميلادي الا عن طريق والديّ. قيل لي اني كنت بكر والدي، كان والدي احد اثرياء اورشليم، كانت ثروتنا لا تكاد تحصى، كانت لنا مزارع كروم وزيتون يخدم فيها الوف العمال، وكانت اغنامنا وماشيتنا من بقر وخيل وحمير، بل كان عندنا جمال ونوق، وكن نقتني خارج المدينة زرائب الخنازير نبيعها للكنعانيين. اما الفضة والذهب والجواهر فكانت اكثر من حصى الجبال المحيطة، وقد ولدت وملعقة من الذهب في فمي، كانت امي اجمل اهل زمانها، وكان ابي يفخر انه زوج لها، وقد تزوج منها بعد طلاقه من زوجته الاولى التي ولدت له اربعة اولاد. كانت ابنة ملك عربي ولكنها اعتنقت ديانة ابي، وقد ولدت انا بعد زواجه بفترة بسيطة، وكان لي المكان الاول في البيت، وقد خصني ابي في حياته بنصف امواله واوصى ان يكون نصيبي من الميراث خلاف ما استوليت عليه. احسست ان اخوتي يبغضونني ولكنهم لم يكونوا

يجسرون ان يظهروا استياءهم امام ابي. بعد موته حاولوا ان يقيموا منازعات بشأن الميراث ولكني استطعت بالمال والنفوذ ان اتغلب عليهم. وما كان نزاعهم لحاجة فقد كان نصيبهم من اليراث يجعلهم في مصاف الامراء. اما انا فتجاهلتهم واثرت ان ابعد عنهم لاعيش في وسط يليق بي!
وقد تركت الضيعة التي كنت اعيش فيها وذهبت الى المدينة حيث اقمت في الضاحية في قصر بنيته على مساحة كبيرة من الارض، وغرست حوله حديقة غناء نقل رسومها اساطين المعمار من رومان ويونان. احضرت الحرير من كشمير والسجاد من شيراز والاسرّة من خشب الارز. اما المقاعد فكانت مطعمة بالعاج ومرصعة بالجواهر. حاولت ان اعيش كما عاش سليمان الملك، فكنت البس البز والارجوان واتنعم كل يوم مترفها.
2- هل كنت سعيدا؟
كنت احس في اول الامر بشئ من السعادة، لكني بعد وقت احسست بالملل، ولم اعد احس بحلاوة مذاق الطعام ولا ببهجة الثوب الجديد. اختفت الابتسامة من وجهي . والناس الذين كانوا يبدون اول الامر اخلص الاصدقاء وحديثهم اطيب حديث اكتشفت انهم جماعة حقراء منافقون. كانت كلماتهم تقع كالحصى في اذني. كنت ابغضهم لكني لم اكن استطيع ان اعيش بدونهم. وكانت اجد في حديثهم النفاق المجسم ولكني كنت محتاجا الى وجودهم معي. كنت ارى الكراهة تبرز من عيون اهلي واقاربي وتكاد تشق قلوبهم لتتجلى في حركاتهم وقسمات وجوههم.
وكان القوم يأتون جماعات جماعات لكي يأكلوا ويشربوا ويأتوا من المباذل ما ضاقت به نفسي، كانوا ينزلون على الطعام كالجوارح التي لم تتناول طعاما لمدة طويلة. اما انا فكنت انظر الى العام واحس بغثيان. لا اطيق رائحة طعام بل تمج نفسي كل ما يدعوه الناس شهيا.
كلا. لم اكن سعيدا!
كنت تعيسا بل التعاسة مجسمة!
ومع ذلك فقد كان الناس ينظرون اليّ حاسدين وهم يتحدثون عن مالي وتنعماتي، ويعددون ما عندي مما يغني مملكة بل ممالك!
كنت اقضي الامسيات مع الاصحاب وهم يشربون ويلعبون ويرقصون ويإتون من المجون ما تمجه كل نفس حتى اذا مانتصف الليل انصرف الجميع وبقيت لوحدي استقبل الليل وحيدا، لقد حاول والديّ ان يجدا لي زوجة..
كان الناس يتحدثون في السر ان لي صديقات واني كنت مستغنيا بهن عن الزواج ولكني كنت .. كلا لا استطيع ان اقول اني كنت معتدلا. كنت عفيفا رغما عتي.
وانشغلت باعمالي فازدادت ثروتي. على ان الامر المدهش اني لم احس باية سعادة وانا ابصر اكوام الذهب تتكدس في خزائني بل بالعكس كنت احس انها احجار ثقيلة تجثم على صدري.
اعمالي الدنيوية والخيرية:
هذا ما كتبته جريدة الايام في يوم عيد ميلادي:
“كان يوم الامس يوم الاحتفال الكبير بعيد ميلاد المحسن الكبير والكريم الشهم رجل المرؤة والاحسان ..
**
ولقد ازداد غضبي عندما اطلعت على مقال كتبه كاتب تافه في جريدة “الخبر” لم يذكر اسمي صريحا لكن تلميحاته كانت واضحة؟ وقد ذكر ذلك الكاتب التافه اني قاس. اهدم بيوت الارامل والايتام واسد ابواب الرزق على المئات والالوف بسبب سياساتي التجارية.
وقد ارسلت الى ذلك المحرر استفسر عنه عن المقال. انه ولا شك يكتب منتظرا ان اعطيه شيئا يحفظ لسانه داخل فمه ولكنه رفض ان ياتي. خاف ولا شك. ولو انه ادعى ان صفيحته نزيهة وان قلبه اعف من ان يؤجر بمال. كذاب!!
وقد سالت عن ذلك المسكين الذي يشير اليه ذلك المافون فاخبرني احد الخدم انه ذلك المخلوق الكريه العاري المملوء بالقروح الذي يقيم وسط الزبالة .وهو لا يفرق عنها بشئ الا ان رائحته اشد نتانة منها. وهو يعيش وسط الكلاب الضالة . لم استطع ان امنع اشمئزازي من منظره ولا تقززي من رؤية قروحه. وقد كنت انوي ان اطلب من خدامي ان يكنسوه من المكان، ولكني خشيت ان يتخض كاتب هضه الصحيفة الصفراء من هذا الامر موضوعا يحشوه بالمغالطات. بالامس رايت الكلاب تقترب منه وتوصوص باضنابها حوله وتلحس قروحه وهو يحتضنها. اندهشت وانا اراها تفعل هذا. ومع انها كلاب شرشة الا انها لم تؤذه، اراد احد خدامي ان يطرده ن المكان فكشرت الكلاب عن انيابها في وجهه وزمجرت وكادت تهجم عليه. انها تحميه وتدافع عنه، مصيبة حلت عليّ. رؤية هذا المخلوق تبعث الغثيان فيّ!
**
استيقظت اليوم وانا احس شئ من التعب، لا شهية عندي لطعام، مكثت في الفراش ولكني لم استطع النوم، جاء الطبيب واوصى بالراحة التامة، اعطاني جرعات مهدئة، حاولت ان انسى ولكني لم استطع، استدعى طبيبي الخاص اطباءا اخرين، المرض يشتد والالم يتزايد، جاء اكبر اخصائي وفحصني ولم يستطع تخفيف المي. جاءني اطباء يونانيون وفارسيون ومصريون واستعملوا كل العقاقير لكن لا فائدة، راسي تكاد تنفجر. انا اكتب هذه الكلمات ويداي ترتعشان.
++
انا ناحوم كوهين السكرتير الخاص لسيدي وبناءا على توصيته اكتب مذكراته على نسق ما كتب هو:
اشتد المرض على سيدي. بدات نوبات اغماء تصيبه، كان اذا استفاق يسالني عن تقرير الاطباء، كان يسالني ايضا عن حسابات المصارف وعن اموال المحاصيل التي عند التجار، بل قد املاني اسماء المدينين له واعطاني مفتاح السجلات.. لكن نوبات الاغماء بدات تكثر. وجاء وقت راح في اغماءة طويلة لم يستفق منها.
على انه قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة انتبه فوجدني جالسا الى جانبه على حافة السرير. فتح عينيه الى اخرهما وسالني اين هو وقلت له انه بخير وانه سيقوم معافى، واجابني انه يخشى انه لن يقوم ثم قال هامسا انه راى حلما عجيبا، راى ذلك الكائن الكريه الجالس بين اكوام القمامة راه في صورة اخرى . اختفت اكوام القمامة وبرز صحيحا جميلا لابسا ابهى الثياب ومحاطا بكوكبة من الفرسان اللامعين وراهم يقودونه باحترام الى مرركبة نارية نورانية ذهبية واجلسوه كملك وساقوا المركبة فصعدت في الهواء الى ان وصلت الى مدينة ذات ابواب ذهبية ففتحت امامه ودخلت المركبة الى مدينة لا استطيع ان اصفها.. ارضها من ذهب وجدرانها احجار كريمة وابوابها لالئ وبهاؤها لا تستطيع العين ان تنظر اليه، ثم اختفى المنظر. ترى ما هو معنى هذا الحلم؟ فقلت له انها هلوسة نائم. قال كلا، لقد كان المنظر واضحا واظن ان الامر صحيح. فاني منذ اول امس لم اسمع صوت انينه. فقلت له، اما هذا فصحيح فقد انتهت حياته وبحثنا عمن يدفنه ودفعنا لبعضهم فلفوه في قطعة قماش قديمة وطرحوه في نقرة واهالوا التراب عليه. وعندما تترك فراشك سترى بدلا من اكوام القمامة حديقة فيحاء. لقد استراح واراح.. وابتسمت ابتسامة كبيرة!
على ان السيد لم يبتسم بل قال لازلت اؤكد اني رايته في لباس امير ومركبة ملكية. كانت هذه اخر كلمات سيدي ثم لفظ انفاسه. ظننت انه مغمى عليه فارسلت الى الاطباء فجاءوا واعلنوا انه مات بل قالوا انه مات منذ اسبوع ولو ان انفاسه ظلت متعلقة بالحياة. مات الرجل وترك الملايين التي سيتنازع عليها اخوته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s