انا من هذه البلد

انا من البلد دي.

اشعر كما لو ان الارض تلاشت من تحت قدمي او تنازلت عن جاذبيتها المعتادة لي.. قدماي تركلان الارض لاعلو ببطء.. كما لو اني فوق سطح القمر .. يبدو انني لازلت نائما واني ما زلت غارقا في حلم فكل شئ حولي لا اعرفه.
صحوت في هذا اليوم مبكرا على غير عادتي .. لا اعلم لماذا .. وما الذي اتي بي الى هذا المكان الغريب .. اين انا .. لا اعلم.. ما هذا الشعور الغريب الذي ينتابني؟ توجد طاقةة غريبة تنساب بداخلي .. ما هذا ؟ اين انا؟ وما سر تلك السعادة التي اشعر بها؟ انا في غير وعيي .. هل جننت؟ لا ادري قمت من مكاني حاملا جسدي فاذا بي اجدني لا اشعر بنفسي وحركتي.. كما لو كنت اطير.. اشعر اشعر كما لو ان الارض تلاشت من تحت قدمي اوو تنازلت عن جاذبيتها المعتادة لي.. قدماي تركلان الارض لاعلو ببطء.. كما لو اني فوق سطح القمر .. يبدو انني لازلت نائما واني ما زلت غارقا في حلم فكل شئ حولي لا اعرفه. ولكني حاولت اقصاء هذه الافكار عن ذهني كي استطيع مواصلة يومي .. هممت لارتداء ملابسي ولكني رايتني ارتدي تلك الملابس الجديدة .. اه، تذكرت! فانا ارتدي تلك البزة الكحلية الجديدة التي اشترتها لي زوجتي لاجل العيد. .. لكن اين زوجتي؟ واين ابني؟ واين انا؟ كل ما اتذكره اني اخذتهما لقضاء العيد بين اهلي في الصعيد ولكن لا اتذكر اكثر من هذا.
حاولت جاهدا الطيران.. اقصد المشي في الشارع كي احاول فهم ما حولي.. وجدت نفسي اتجول في شوارع قريتي .. اعرفها جيجا.. فها هو عم موسى صاحب قهوة بورسعيد .. وها هو عم جرجس بقال الامانة ومن هذا الذي اراه قادما نحوي.. انه ميشيل صديق الطفولة..ميشيل! كيف حالك يا صديقي العزيز؟! .. لا يرد .. لماذا لاترد؟ هل انت غاضب مني في شئ؟ يتجاوزني.. اسير خلفه “عيب كده! هل ساظل اسير خلفك طويلا؟ ماذا حدث يا ميشيل؟ على عالعموم براحتك.. من الذي يجلس في المقهي هناك؟ انه الحاج سلامة.. سلام عليكم يا حج .. لا يرد! ماذا حدث لماذا لا يرد؟ هو انا عملت شئ خطأ؟.. واضح ان البلد كلها مقاطعاني! كل الناس التي اعرفها والتقيتها لم يعبرني احد منهم.. يا جماعة هل لا تعرفوني ؟ انا من البلد دي! .. حتى الواد محروس لم يحضر لي قهوتي! .. ما هذا الذي في شريط الاخبار على التلفاز؟(اقرا) القناة الفضائية المصرية تهنئ الاخوة الاقباط بعيد الميلاد المجيد .. اه، ما زلت اتذكر اذن! ..

(استمر في القراءة) السيد الرئيس محمد حسني مبارك يقدم التعازي لاسر ضحايا نجع حمادي . ماذا؟ ماذا حدث؟!! اي حادث ؟! انا في نجع حمادي بلدي ولا ارى حوادث!
ما علينا.. سوف اعود الى البيت عند عائلتي من المؤكد ان زوجتي وابني هناك!
سبقتني قدماي في الطيران او السير الى البيت وكان قدماي بهما ياي او سوستة .. وبعد وصولي الى البيت فودئت بسيارة اخي تحت البيت.. ترى! لاي شئ قد حضر؟! الم اقل له انني سازوره في بيته يوم العيد؟ على العموم، سوف اقرع الباب ، ربما يريد ان يعمل لي مفاجاة سارة! .. ماذا؟ لماذا كل هؤلاء يرتدون ملابس الحداد؟ يبدو ان هناك ميت في منزلنا. استر يا رب! قلبي ضعيف لا يحتمل فراق الاحباء! .. “من مات؟” سألت عم عطية، لم يرد! “من مات؟” توجهت بسؤالي الى اخي/ لم يجيب ايضا وكان يبكي بكاءا حارا، لك اره يبكي هكذا من وفاة والدي، الله يرحمه! .. صعدت سريعا على درجات السلم ولم ابه لاحد.. الحمد لله وجدت والدتي وزوجتي وابني بخير.. سألتهم “من مات؟” لم يجيب احد.
يبدو انه حلم مزعج. متى سافيق من هذا الكابوس؟!
نازلت اسير خلف الميت في الجنازة .. اسمع صراخي امي وهي تنادي عليّ، وحين اذهب اليها لا تراني ولا تسمعني.. حتى زوجتي لم تشعر بوجودي. وابني الذي حملته الست ام مصطفى جارتنا كان يبكي وهو يرد “بابا فين؟”.
رايت نفسي اصرخ: “اسمعوني.. انا اهو.. هل يراني احد؟ انا ابنكم واخوكم .. انا من البلد دي .. هل نسيتموني؟ لا حياة لمن تنادي.
ارى الجنازة بها 6 سيارات تحمل 6 صناديق موتى تسير في اتجاه الكنيسة عدا نعش واحد يسير في اتجاه جامع القرية. يبدو انها حادثة فعلا. دخلت الكنيسة ورايت جميع رجال الدين في القرية متواجدين!
رصت الصناديق وبدات الصرة. وبدات كل عائلة تضع صورة لفقيدها فوق الصندوق. اه، انه بيشوي .. لا يمكن! .. هذا بولا! مستحيل! .. يا رب ارحم وهذا ابانوب وهذا مينا .. كل هؤلاء اصدقائي .. وتسمرت وعيناي تقعان على صورتي!
نعم. اخي وضع صورتي فوق احد الصناديق وهو يجهش بالبكاء .. اذا انا الفقيد الذين يبكون عليه .. يا له من حلم مؤلم! هل من احد يوقظني من هذا الكابوس؟ صخرت بصوت عال: “انا حي .. لم امت..
وخرجت الصناديق بعد الصلاة وما زلت اراني اسير في جنازتي وجنازة اصدقائي .. الا اني اشعر بسعادة غريبة! احتمال لاني لم اكن اتمنى لنفسي جنازة افضل مما ارى. ولكن فجأة رايت بعض الشباب يهتفون .. ما الداعي؟ .. انها حادثة .. وما هذا التشابك .. ارى بعض الصدام بين الناس لم اعتد اراه من قبل.. ده مصطفى وده جورج وده اسكندر وده محمد.. لماذا يضربون بعضهم؟!!
دخلت وسطهم و لا احد يشعر بي. لا جدوى من تدخلي. تنحيت جانبا!.. لكن ما هذا؟ يقترب نحوي حسن ربيع .. نظرت يمينا ويسارا وخلفي.. لا احد. اذن، لمن ياتي؟ من المؤكد انه لا يراني، لا احد يقدر ان يراني! .. لكنه كان مثبتا بصره في اتجاهي وهو يبتسم ابتسامته الصافية! هو صديقي وانا اعرفه. وبالفعل صافحني وتعانقنا وقال لي: كل سنة وانت طيب!
اوه، يا صديقي! انت تراني اذن!
نعم..
كيف يمكنك هذا؟ انا من لحظة قدومي للبلد ولا احد يشعر بي ولا كأني من البلد دي! و لا كأني موجود!! لماذا انت تراني، بينما، ولا اهلي حتى امكنهم رؤيتي؟!! لا افهم ما يحدث. هل يمكنك ان تفهمّني؟
اخذني حسن ربيع الى ما كان بعيد عن ضوضاء الصدامات والتظاهرات وبدا يروي لي وبدأت اتذكر..
“كلفت بتامين مطرانية نجع حمادي – انا وبعض زملائي من الشرطة في صلاة ليلة العيد.. ورايتك بالامس انت وزوجتك وابنك داخلين الكنيسة وهممت بالنداء عليك، ولكن الزحام منعني. وقد عزمت على ان اقابلك وانت خارج واهنئك بالعيد.
ماذا حصل؟
بعد انتهاء صلاة العيد بدا الناس الانصراف ورايتك بينهم .. كنت متقدما عن اسرتك لانتظارهم في الخارج. واثناء محاولتي الوصول اليك رايت سيارة لونها زيتي تتوقف امام الكنيسة وينزل منها 3 اشخاص يرتدون اقنعة تخفي وجوههم، احدهم يحمل رشاش بدأ في اطلاق الرصاصات بشكل عشوائي تجاه الكنيسة واصاب كثيرين من الشباب .. كنا من بينهم، انا وانت…! ولكنك فارقت الحياة قبلي ببضعة ساعات ولم يتمكنوا من اسعافي انا الاخر وفارقت الحياة..
ماذا تقول؟ هذا يعني اننا الان موتى؟
لا، نحن شهداء..
لا يمكنني ان اصدق.. ماذا عن الناس الذين اطلقوا الرصاص – لماذا فعلوا هذا؟ ومن هم؟
لا اعرف سبب ما فعلوه. وللاسف لم استطع ان اراهم جيجا.. تم الامر بسرعة رهيبة!
لم استوعب كلام ربيع. ما زلت اشك في اني احلم، ولكن صوت صراخ وعويل اهلي !.. يبدو ان ما يقوله صحيح .. ونظرت الى نفسي فاذا بي اجد ملابسي ملطخة بالدكاء..
ثم التفتت الى مشهد الصدام فاذا بي اجد مجموعة من رجال الشرطة وهم يقتادون 3 من الشباب فهمنا انهم المتهمون في تلك الحادثة الارهابية.. واذا فجاة نرى بينهم محمد الالفي..!
وادركنا ان الالفي يخطط لهذه الجريمة منذ طفولته ويحرضه عليها ابواه اللذان ربياه، وامثال ابلة زينب، وبعض من اهالي اصدقائي المسلمين الناصحين ابناءهم تجنب اللعب مع زملائهم المسيحيين. النخبة من المثقفين هواة اللعب بالنار، رجال الدين الذين يتاجرون بالدين القوانين العقيمة العنصرية، قادة الراي الذين يملكون زمام الامور.. كل هؤلاء مشتركون في جريمة الالفي .. الذي رايته فيما بعد بعد في منطقة العمرانية قبل ان يستقل القطار متجها الى مدينة الاسكندرية..!
نظرت الى ربيع .. وجدته يبكي .. ذهبت اليه .. سالته عن السبب .. اجابني: “اشعر اني مجرم. فقد اساء الالفي وامثاله الى كل مسلم.. الى كل المسلمين”.
اكدت له عدم موافقتي، قلت له:
“لم تفرق رصاصات الالفي الطائشة بين مسيحي ومسلم.. انت الذي وقفت ونزفت واستشهدت وانت تدافع عن ابناء وطنك وبلدك.. الجميع يرفض ما حدث”.
امسكت بقلكي .. مسحته من الدماء وكتبت الى ربيع هذه الرسالة:
الى حسن ربيع، صديقي الذيي اتمناه
والى كل حسن ربيع في مصر.
عليك ان يعلو صوتك اكثر.. ليصل الى كل انسان.
عليك ان تتعلم مفهيم دينك اكثر.. كي تزيد من السماحة والاخوة.
عليك الا تتاثر بمن هم اعلى صوت منك .. كي لا تخطئ طريقك.
عليك ان تتقبل الاخر، كي يتقبللك هو ايضا.
عليك ان تعرف ان مصر في حاجة الى العديد من امثالك فلديها اعباء اخطر.
عليك ان تعرف ان الفساد لا يفرق بينك وبيني.
الارهاب ايضا..
الاهمال، .. الفقر.. الجهل والمرض .. لا يفرقون بيننا.
واخيرا وبلا شك عليك ان تتذكر انني من البلد دي.
انا من البلد دي مثلك تماما.
اخوك فليب فكري
يناير 2010

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s