كتاب الله



احساس مبهم كان يقبض صدري، وشعور مرير كان يحبس نفسي. وتحول اﻻحساس باﻻنقباض فجأة وتكرر في جانبي اﻻيمن مغصا يعتصر امعائي.
قلت لزميلي طبيب اﻻمتياز
لعلها الزائدة الدودية يا صلاح
خذ قرص نوفالجين مجرد مغص ويزول.
ومرت 3 ساعات ولم تثمر الاقراص المهدئة للمغص، والقيت نفسي بعد حين طريح الفراش، والتف حولي زملائي اكثر من 20 طبيبا كانوا يحاولون ابعاد الوهم عني
قلت لزملائي بعد ان ضقت ذرعا بابتسامتهم المفتعلة.
انها الزائدة. وليست في حالتها الطبيعية اكاد احس ذلك.
وحضر مدير المستشفى في منتصف الليل وقال ووجهه يشرق بابتسامة ملؤها الثة:
نحضر غرفة العمليات.
وتملكني على الفور مشاعر متباينة ومرت بخاطري صور مختلطة ببعض. لكم ادخلت الى غرة العمليات الكثيرين من مرضى الزائدة وبقرنا بطونهم واخرجنا امعاءهم ونحن نتجاذب الحديث ونقص النوادر، حتى المريض المبقور البطن كان له من الحديث نصيب وهو ممدد على منضدة العمليات تحت تاثير المخدر النصفي. كانت المسالة دائما اهون من ان قمعها قتامة الجدية والماساة. ولكني وقد تمددت طويلا ادور ببصري في وجوه زملائي احس بانني في طريقي اكاد امضي حثيثا الى حتفي.
مرت بخاطري هذه اﻻحاسيس وانا احاول اﻻستسلام للواقع. وامضي الى غرفة العمليات وتركت ساعدي لطبيب البنج يفرغ فيه حقنة المخدر.
وافقت بعد فترة ﻻ ادري طولها. لكنني احسست كانني غريق يحاول الخلاص من قاع النهر.
الف مبروك يا مبروك.
فعلا لم تكن الزائدة في مكانها الطبيعي.
قلت في وجوم: يعني العملية طالت.
ياعة ونصف نبحث عن زائدتك. ومرت الساعات واحسست باﻻربطة تضيق وتضغط على بطني. ان بطني ينتفخ، امعائي ﻻ تتحرك. لق حدث ما خشيته.
والتف حولي الزملاء. لم يكن الوضع يحتمل المجاملة او التخفيف. وبدا العلاج بالبروستجمين واملاح البوتاسيوم ولكنها لم تجد نفعا وبدا علاجي بالمورفين.
وخيم الصمت على جو المستشفى. لم اكن اسمع همسا او ضجيجا او ضحكات الممرضات ودق كعوبهن في طرقات المستشفى ضيعها الترقب للكارثة. لم يكن الصمت نتيجة حقنة المورفين التي حقنت بها، اذ انني اسمع دقات قلبي.
كانت وجوه زملائي ايضا صامتة. لقد ظلوا رسمون على وجوههم ابتسامات مشجعة علهم يخففون من وقع الصدمة علي. حتى زاد تورم بطني وتعثرت انفاسي وضاعت الكلمات المشجعة على السنتهم المرتجفة. ﻻزمني المقربون صلاح وفوزي علهم يصنعون شيئا. كانت انبوب اﻻكسجين الى جوار فراشي وزجاجة بلازما ومحلول ملح. وارتفعت الوسائد من خلفي وزادت اﻻمي وياسي.
واخيرا صرخت قانطا:
اوقفوا المورفين انه يوقف انفاسي. انه يقتلني خنقا. دعوني اموت وانا في وعيي.
وارتسمت على وجوه زملائي علامات الياس والتسليم ان نهايتي وشيكة والصمت دﻻلة مقدمها ..
كنت اسمع همسات :
اسمعت يا فوزية.. الدكتور عنده شلل في اﻻمعاء.
خسارة الشباب..
وعندما تحتم علي مواجهة النهاية اخذني الياس بين لفائف السحب القاتمة لكي اسمع بين طياتها صيحات من الذعر كانها الرعد تقول: ماذا افدت من مشوار الكفاح الطويل .. بعد سهر الليالي و الحرمان والامتحانات.. الطريق الطويل الى اجازة الطب.. اﻻف المرضى الذين مررت بهم تحاول اﻻنصات الى دقات قلوبهم حتى البكالوريوس، واصبحت طبيبا لكي تموت قبل ان تقبض اجرك .. ﻻ.. وتتمتع بثمرة جهدك.. كلا .. والف كلا.. ليس هذا هذيان بسبب المورفين.. ليس هذى حمى وﻻ انا اهذي.. انني ﻻ اشعر بدفء في اوصالي.. التفت اخي الذي كان يقف بجواري وعيناه مغرورقتان..
وجدت نفسي اقول له: لماذا تدمع ؟ انا لست خائفا الموت. ليكن .. صندوقي اريده من خشب فاخر .. اريده مطلي باﻻبيض ومقابضه من معدن مذهب والصليب الذي يوضع معي في الصندوق من فضة. نعم اريده من الفضة.
ويحتضنني اخي مذعورا.
ماذا دهاك؟ اين ايمانك بالله؟
واي ايمان بعد هذا، اﻻ تراني اقابله ثابت الجاش.
اسمع بالباب طرقا.. واراه .. في صدره صليبا كبيرا من فضة يتدلى من عنق نسيبي.. يمشي وئيدا ويمل ي يمينه كتابا مقدسا ويقترب مني القس.. لقد احسنوا صنعا باستدعائه لكي يتلو صلاة .. صلاة الوداع.
وضع القس الكتاب فوق اﻻربطة ومضى في صلاة حارة .. لم اكن ادري كنه شعوره وهو يبتهل .. كانت الدموع في عينيه.
يا رب اشف عبدك ..
انني ﻻ اتوقع حدوث معجزة. انا قانع بنهايتي.. لقد مضى عهد المعجزات واندثر.. ثم اين اﻻيمان من جسم تربطه الشرايين واعصاب وخلايا منتفخة بالسائب=ل الخلوي.. الة تسير وتتحرك وقودها الغذاء وشحنتها اعصاب .. هذا ما تعلمناه طوال السنوات السبع لدراسة الطب.. صحيح هناك هزات نفسية وقد نحسب من سحر تاثيرها معجزة.. ولكن اين هي مني اﻻن وانفاسي ﻻهثة وامعائي مشلولة؟
وتمضي الصلاة حارة بكلماتها ودموعها لكي تعقبها معركة داخل نفسي بعد ان تحركت على اﻻثر امعائي.
اتراها معجزة الم تراها هزة نفسية حركت امعائي؟ ام تراها نقطة التقاء ، مجرد التقاء بين صلاة القسيس وبين رغبتي وشوقي للحياة؟ اهي استجابة فورية للصلاة ام هي نهاية طبيعية للمرض وكان التوقيت بين التقاءهما هو المعجزة؟
بعد روجي من المستشفى اقبلت على كتبي ومراجعي ارتبها واضع فوقها جميعا كتابي المقدس. صفحاته التي احسبها اكثر اشراقا من ضوء الصباح

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s